المقريزي

157

إمتاع الأسماع

وكذلك صيامهم : كصوم احتراق بيت المقدس ، وصوم كدليا وصوم صلب هامان ، ليس شئ منها في التوراة ، ولا صامها موسى ولا يوشع ، وإنما وضعوها لأسباب اقتضت عندهم وضعها - كما بينته في موضعه من كتاب ( المواعظ والاعتبار ) ( 1 ) . وهذا مع أنه في التوراة ما ترجمته : لا [ تزيدوا ] على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا ولا تنقصوا منه شيئا . وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدا ، وهم مجمعون على تعطيلها وإلغائها ، فإما أن تكون منسوخة بنصوص أخرى من التوراة ، أو بنقل صحيح عن موسى عليه السلام ، أو باجتهاد علمائهم وأحبارهم ، وعلى التقادير الثلاث فقد بطلت شبهتهم في إنكار النسخ . ثم من العجب أن أكثر تلك الأوامر التي هم مجمعون على عدم القول والعمل بها ، إنما يستندون فيها إلى قول علمائهم وآرائهم ، وقد اتفقوا على تعطيل رجم الزاني - وهو نص التوراة - ومن مذهبهم : أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشئ صار حلالا ، وإذا حرموه صار حراما وإن كان نص التوراة بخلافه ؟ ؟ . وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة ، فحجروا على الرب تعالى أن ينسخ ما يريد من شريعته ، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم ، فأشبهوا إبليس في أنه تكبر في أن يسجد لآدم ، ورأى ذلك نقيصة له ، ثم رضي أن يكون قوادا لكل عاص وفاسق من أولاد آدم . وأشبهوا أيضا [ عباد ] الأصنام في أنهم أنفوا أن يكون النبي المرسل من الله تعالى إليهم بشرا ثم رضوا أن يكون إلههم ومعبودهم حجرا نحتوه بأيديهم ، وأشبهوا أيضا النصارى فإنهم نزهوا [ بطارقتهم ] عن الولد والصاحبة ، ولم يتحاشوا من نسبة ذلك إلى الله رب العالمين سبحانه وتعالى . ولم يبق لليهود إلا أن يقولوا : إن موسى عليه السلام نص على دوام شريعته وتأبدها ما دامت السماوات والأرض ، وهو يقتضي أن لا ناسخ لها ، فأحد الأمرين لازم : إما كذب خبر موسى ، أو بطلان شرع من بعده .

--> ( 1 ) كتاب ( المواعظ والاعتبار ) أحد مؤلفات المقريزي رحمه الله .